فهرنهايت ٤٥١ - راي برادبري

" ازرع الكتب ، شغل الانذار و شاهد منازل الإطفائيين تحترق "

قراءة في رواية فهرنهايت ٤٥١

" ليست الكتب هي ما نحتاج اليه، بل بعض الأشياء التي كانت موجودة في الكتب.. ابحث عن مبتغاك في الطبيعة، ابحث عنها في نفسك ."

٤٥١ فهرنهايت لم تكن هي فقط درجة الحرارة التي تحرق بها الكتب كما ُذيّل على غلاف الرواية.. بل تعدتها برؤية ديستوبية للعالم لتحترق فيها إنسانية الانسان .. تتلاشى ذرات اتصاله بالعالم الخارجي .. بالطبيعة من شجرها و هوائها و مائها.. زقزقة العصافير .. هدير الماء.. حفيف أوراق الشجر.. رائحة القش.. زرائب الحيوانات.. لم يعد التأمل في موجودات الكون يعني شيئا.

"
تذكر مزرعة زارها عندما كان صغيرا جدا، و كانت من المرات النادرة التي اكتشف فيها أن في مكان ما خلف البراقع السبعة للاحقيقة و وراء جدران الردهات و بعد الخندق القصديري المحيط بالمدينة، أبقارا تمضغ أعشابا و خنازير قابعة في برك دافئة وقت الظهيرة و كلابا تنبح خلف خراف بيضاء على تل (أصبح التواصل مع الطبيعة أمرا مستهجنا يستدعي علاجا نفسيا) كما شكت كلاريس لمونتاغ :
(الطبيب النفساني يريد ان يعرف لماذا أخرج و أتجول في الاحراج و أراقب الطيور و أجمع الفراشات)

المدن الاسمنتية غطت المكان.. جفاف روحي هو ما تبثه عبر قسوتها .. المعدن القصديري اللامع لكل ما هو إلكتروني.. أمسى جدار فصل عازلا بين الانسان و احساسه بما حوله..

ففي (عصر السرعة) لم يبق متسعا من الوقت لتجرع رشفات الطبيعة.. سيارة البيتل المسرعة التي تمشي بسرعة مئة وخمسة أميال في الساعة، لم تترك متسعا من الوقت حتى لقراءة الإعلانات على امتداد الطرقات .. كل شيء يمضي مسرعا، لا وقت للتفكير في شيء !
و لماذا نفكر؟!
أليس التفكير جالبا للهم و الحزن؟!
و بماذا نفكر ان كانت كتب الفلسفة و الاجتماع مما يجلب الكآبة ؟!

" لقد حلّ السحاب مكان الأزرار ، و يفتقر الرجل الى الوقت للتفكير و هو يرتدي ثيابه عند الفجر. انها ساعة فلسفية، و هي بالتالي ساعة حزن" 

ألسنا عندما نتتبع غواية التفكير، ندرك مدى بؤسنا في هذه الحياة؟!
لا تجعل الناس يفكرون .. أشغلهم بتوافه الامور
(الكلمات المتقاطعة.. أحاجي و الغاز.. المجلات المصورة.. أخبار المشاهير و الممثلين.. القصص الجنسية المثيرة للرغبة).
التفكير يستلزم التواصل البشري، لنصل الى اجابات لتساؤلاتنا، و هذا ما لا يراد لإنسان الحضارة المدنية الجديدة ...

"
ضع عقل الانسان في دوامة تدور بسرعة هائلة في الأيدي النابضة للناشرين و المستغلين و المذيعين بحيث تنبذ آلة الطرد المركزي جميع الأفكار غير الضرورية و المبددة للوقت "

فكلٌّ يعيش في جزيرته الذاتية منعزلا بإحساسه عمن حوله.. ميللدريد زوجة الإطفائي مونتاغ مثالا صارخا لانعدام التواصل الروحي قدمه لنا برادبوري في روايته (فهرنهايت ٤٥١) السماعة الصدفية التي لا تفارق اذنيها، هي عالمها الذي تحيا في إطاره.. موسيقى صاخبة لم تعد تستمع لمن حولها.. مخدرة هي عن الإحساس عما يدور حولها! حبوبها المنومة تكمل القيام بالمهمة، فأفرغت قارورة كاملة منها في جوفها لتستكمل مسلسل غيابها الوجداني، و لتصحو في صباح الغد غير مدركة ما جرى لها ليلة امس .. لم يعد مونتاغ يذكر أين و متى و كيف أحبها؟!
أهي فعلا من اختارها قلبه!! مسافات شاسعة تفصل بين روحيهما!! انعدمت خطوط التواصل الوجداني و الفكري بينهما.. و هي بطبقات الأصباغ التي تغطي وجهها.. و احمر الشفاه الذي لا يمحي عن شفتيها.. و بحميتها الدائمة التي جعلتها هزيلة ، افقدت صورتها الاولى من ذاكرته.. تلاشت ملامح وجها القديمة ..
"
تذكر آنذاك في كونه واثقا من انه لن يبكي اذا ماتت، لان هذا سيكون موت شخص غير معروف، وجه من الشارع، صورة من جريدة.. رجل سخيف فارغ قرب امرأة سخيفة فارغة .. تساءل كيف تصبح فارغا الى هذا الحد ؟ ما الذي يفرغك من الداخل؟ "

محاولاتها في التواصل الإنساني مقتصرة على صديقاتها و عائلتها الصاخبة التي تسكن ردهة منزلها، مدى ثقافتها يتجلى هي و زميلاتها في نقاشهن حول اختيار مرشح رئاسي، فطوله او قصره.. وسامته أو قبحه.. بدانته او ضعفه.. تسريحة شعره، أناقته هي المعايير التي تحدد اختيارهن !!
سمع مونتاغ نقاشهن ذهل من سطحية أفكارهن!
"
وضعت رهاني على الرئيس نوبل ، أطن انه من أوسم الرجال"
"
هو بدين ايضا و لم يرتد ثيابا مناسبة لإخفاء بدانته، و لا عجب بالتالي ان يكون ونستون نوبل قد حقق الانتصار الساحق"

لكن الطامة الكبرى تتمظهر في انعدام أبسط المشاعر الفطرية لديهن (الأمومة) !!
"
لقد أنجبت طفلين بعملية قيصرية، لا جدوى من معاناة كل ذلك العذاب من أجل طفل "
"
قالت السيدة فيلبَس :" بعمليات قيصرية أو بدونها الأطفال هدامون، و أنت مجنونة"
و أخرى تصف علاقتها بطفليها اللذين يقضينا أغلب الوقت في مدرسة داخلية :
"
احتمال أن يركلاني لا يقل عن احتمال أن يقبلاني. لكنني أجيد الركلات و الحمد لله "
علاقات متفككة، قلوب متحجرة.. أتساءل الآن و أنا أشاهد عائلات كاملة تخرج في نزهة أو تجلس على طاولة طعام، و كل فرد يمسك بيده هاتفه الذكي أو حاسوبه اللوحي الخاص به و يغرق في عالمه.. أي تواصل و ألفة متحصلة من ذاك اللقاء ؟!

هذه هي الأجواء القاتمة التي رسمها لنا براد بوري لعصر تحرق فيه الكتب (و أن تشابهت مع معالم عصرنا) و يعد التفكير جريمة لا تغتفر، و الشعر هرطقات لا تسمن و لا تغني من جوع، النفعية تتحكم بالحياة.. فلا قيمة لأي شيء لا يمكن توظيفه أو تطبيقه.. لا قيمة للمشاعر و الوجدانيات.. أو لمتع الفكر أو لطرح التساؤلات !
فكانت النتيجة تحريم لكل ما هو ورقي.. محرقة تستعر نيرانها لما أنتجه الفكر الإنساني !
في مفارقة عجيبة يوكّل برادبوري مهمة احراق الكتب على الإطفائيين!
و كانت كلاريس ماكليلان تقول: (ألم يكن الإطفائيون يمنعون الحرائق بدلا من تأجيجها و إشعالها ؟)في انقلاب للمنظومة المنطقية في عصر لم يعد المنطق يعني فيه سوى العبثية و اللاشيئية !
و المفارقة الثانية ان من قاد الحركة التغييرية ، و تمرد على الوضع الراهن هو إطفائي أيضاً (مونتاغ) !
حادثة احراق كتب المرأة العجوز في مهمته الأخيرة كانت بمثابة جرس إنذار نبهه لفداحة ما يقوم به : (لقد أحرقوا ألف كتاب ؛ أحرقوا امرأة!)
كما أن حادثة موت الطفلة كلاريس التي ايقاظته من سباته دفعه للتغيير ..
و يستمر مسلسل المفارقات ليكون شعار ( طائر الفنيق _العنقاء_) هو ما يزين ملابس الاطفائيين !
العنقاء التي تنفث النار و تحرق كل شيء حتى نفسها !
ثم تنتفض من بين الرماد و تحيا مجددا!
الأمل هو ما يريد برادبوري بثه في نفوس قرائه رغم سوداوية نظرته ! فكما يقول ساراماجو (العمى هو أن تحيا في عالم بلا أمل) فمهما بلغ السوء بالبشرية، فوحدهم أبناؤها من يمتلكون زمام التغيير حتى أشدهم وحشية يحوي خيرا في داخله، بيتي رئيس مونتاغ الذي لم يتزحزح عندما علم بنية مونتاغ لحرقه كانت بمثابة انتحار أو عملية تطهيرية لما اقترفته يداه من مجازر حرقية بحق الكتب.. هو ليس بسطحية الباقيين فقد قرأ العديد من الكتب سابقا، و حواره مع مونتاغ يظهر عمق فلسفته و معرفته، رغم كل الحروب و المآسي التي مرت على البشرية، الا أن خلاصها لا يمكن تحقيقه الا بالقوّة المعرفية و النزعة الانسانية بإحيائها في نفوس أبنائها مهما صدرت قوانين الحجب أو تقييد حرية الفكر و مهما بلغت سطوة مقص الرقيب على ما أنتجه فكره!
الأفكار لا تموت و لا تفنى و لا تتلاشى بل تتخذ هيئة أخرى تناسب العصر الذي فيه قانون رغم فيزيائيته الا أنه ينطبق عليها ايضا ...
قد يبدو الكاتب في بعض مواطن روايته رومناطقيا حالما، عندما يتحدث عن الطبيعة و مظاهرها و في مواطن اخرى كافكاوي النزعة.. المراوحة بين الامرين أضفى بعدا تبريريا للكثير من مجريات الرواية، حتى و إن كانت من الخيال العلمي أو الديستوبي !
فبعد أن قام مونتاغ بالتمرد على رئيسه، و الاحتفاظ بنسخ من بعض الكتب -في عصر تعتبر فيه حيازة كتاب جريمة لا تغتفر- و بعد إقدامه على إحراق بيتي (رئيسه في العمل)
و هروبه إلى فابر الذي اعترف بجبنه و سلبيته فيما مضى، حينما كان يمكنه الاعتراض على قرار حرق الكتب، الا أنه ما زال يفكر في الآخرين الذين عليه انقاذهم، و يشعر بالشفقة عليهم. ميللدريد و أصدقائه .. كيف سينقذ البشرية و يخلصها !
ألهمته كلاريس الطفلة ذات السبعة عشر ربيعا، فهي من أنقذته من سباته، ففي غمرة (الاعتيادية) على كل شيء فقد احساسه بالجمال و الطبيعة.. و عندما سألته : هل انت سعيد؟!
حركت المياه الراكدة في فكره، هو لم يسبق ان سأل نفسه هذا السؤال و لكنه حتما لم يكن سعيدا و لكن لماذا؟!
غياب الروحانية و النزعة الانسانية .. غياب التفكير الفردي و انخراط الذات الدائم ضمن جمهور صاخب..
مزيد من الرياضة لكل إنسان، روح الجماعة، المرح و ليس عليك ان تفكر . إيه؟ تنظيم و تنظيم فائق، رياضات فائقة .. مزيد من الرسوم المسلية في الكتب.. مزيد من الصور، العقل يتشرب أقل و أقل . نفاد صبر . طرق سريعة مملوءة بجموع ذاهبة الى مكان ما، مكان ما، مكان ما، الى لا مكان .."
كما أنه كان يعاني من غياب المتعة الفكرية التي قال عنها ديستويفسكي في روايته مذكرات من بيت الأموات : (أشد انواع العذاب هو حرمان الانسان من متع الفكر و القراءة)
ليس للانسانية من مخرج إلا بالقراءة .. الكتب وفق فلسفة برادبوري يجب أن تتضمن شروطا معينة لتمتلك قوة تغييرية.. فنوعيتها التي تُعنى بالتفاصيل و تسلط الضوء على مسام الحياة، يجب أن تدفعنا للتفكير و التأمل و هو ما أطلق عليه (ان تمتلك وقت فراغ) لتهضم ما تقرأ، و في نهاية المطاف أن تدفعك الكتب الى التفاعل و القيام بأعمال على أساس ما تعلمته من النقطتين السابقتين .
فعلى الانسان أن يترك اثرا في هذه الحياة، فعندما سئل مونتاغ
-
ماذا أعطيت المدينة يا مونتاغ ؟
-
أعطيتها رمادا
-
و ماذا تبادل الآخرون عطاءه فيما بينهم ؟
-
اللاشيئية

أدرك ساعتها أن عليه أن يقدم شيئا آخر غير الرماد ... و كما قال له أحد أعضاء الجماعة التي التقى بها في الغابة، ان ليس عليك أن تشعر بأنك شخص غير عادي لتقدم شيئا للبشرية ، على خلاف ما يسوق له بعض مدربي التنمية البشرية من شعارات تجارية (لا تكن شخصا عاديا) و غيرها من العبارات الاستهلاكية .. بينما ينصح احدهم مونتاغ (لا يهم ما تفعل ما دمت تغير شيئا ما عما كان قبل ان تلمسه و تحوله الى شئ يشبهك بعد ان ترفع يديك عنه)

قد لا تكون رواية فهرنهايت ٤٥١ دعوة الى اليأس رغم سوداويتها، بقدر ما هي جرس إنذار قبل أن تدق ساعة الصفر .. هي دعوة لكل منا:
"
هزّ الشجرة و أوقع الدب الكسلان الكبير على قفاه"

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اللامنتمي - كولن ولسون

العمى - خوسيه ساراماجو

رواية شوق الدرويش - حمّور زيادة