اللامنتمي - كولن ولسون
اللامنتمي " يرى أكثر وأعمق مما يجب "
- باربوس
- باربوس
كيف علينا ان نحيا ؟
من ثقب في الحائط يراقب بطل رواية الجحيم لباربوس العالم
.. ومثله روكانتان بطل رواية الغثيان لسارتر فغرفته هي حدود ادراكه.. من قبو مظلم
في أعماق الارض يجلس بطل رواية الانسان الصرصار، لديستويفسكي يتفكر في الوجود ..
تلك هي بعض النماذج الروائية، التي تناولها كولن ولسون،
لشخصية (اللامنتمي)
فمن هو اللامنتمي؟ وما الذي يدفع به ليكون لامنتميا؟ ما
فلسفته في الوجود؟ وما هي مشاكله وطريق خلاصه ؟
يعرّف ولسون اللامنتمي بانه (الانسان الذي يدرك ما تقوم
عليه الحياة من أساس واهٍ، و أن الاضطراب و الفوضى أعمق تجذرا من النظام الذي يؤمن
به قومه) وهمه الأول هو معرفة النفس، فسؤاله الدائم : كيف يمكن أن يحيا هذه الحياة
ليحصل منها على أعظم إدراك للنفس ؟
عالم اللامنتمي عالم كريه، يخلو من القيم ، رافض للحياة ،
دفع بعضهم حياته ثمنا للانتمائيته التي عاشها، فان كوخ الذي مات منتحرا، خير نموذج
على ذلك.. أو قد يصاب بالجنون مثل نجنسكي راقص الباليه المشهور.. أو قد يعتزل الحياة
لينتحر عقله مثل (لورنس العرب) بعد
ان صدمته أهوال الحرب.. و هذا واضح في كتابه أعمدة الحكمة
اللامنتمي شخصية بالغة الحساسية، تفكر اكثر من غيرها، ولا
تجد في الدين جوابا لما يقلقها .. تسعى الى السيطرة على مصيرها ووجودها .. تبحث عن
الحقيقية، فاللامنتمي يظن أنه وحده المدرك للحقيقة وباقي الناس عميان عنها.. سارتر
أحد فلاسفتها، يرى أن الانسان ليس حرا مطلقا والحياة بنظره على لسان روكانتان: (الانسان
هو عاطفة غير مجدية) لا اختيار، فكينونتنا و وجودنا قائم سواء عرفنا وفهمنا الحياة
أو لم نعرفها، و دعا الى مبدأ (التسليم) الذي يتصف بالسلبية من الحياة .
اللامنتمي شخصية تسعى الى الحرية (حرية الإرادة) لكن
الحرية تستلزم دافعا للسعي لها وذاك الدافع هو البحث عن الحقيقة، لكن اللامنتمي
يشعر بأن لا شيء حقيقي ولا شيء يستحق العناء أو السعي خلفه، لذا فهو يعاني من
انعدام حريته بسبب زيف الوجود في نظره!
فيجد الحرية في مواجهة الموت بغير اكتراث كما فعل ميرسول
بطل رواية (الغريب) لألبير كامو، او في محاولة فهم اعماق النفس البشرية كما في
رواية باربوس .. أو بعضهم عرفها بشيء لا يمكن وصفه، ولا يمكن أن تعاش .. اذًا
اختلفت وجهة نظر اللامنتميين للحقيقة، باختلاف تركيبتهم النفسية وخبراتهم، اذاً
شخصية اللامنتمي ليست شكلا ثابتا أو قالبا فكريا واحدا، وإنما تشترك بقواسم مشتركة
فيما بينها وان اختلفت في بعض التفاصيل.
اللامنتمي شخصية تتذمر بسبب الشعور لتفاهة الانسانية ،
والحمق والحقارة الإنسانيين، ففي كتابه (هكذا تحدث زرادشت) يعبر نيتشه عن تذمره :
" إن الحياة التي يعيشها أمر غريب، كما أنها مملوءة باللامعقول، اذ قد يسبب مهرج موت هذا الانسان . "
" يا للعنة ، سيأتي اليوم الذي لا يعود فيه أشد الناس حقارة قادرًا على لوم نفسه"
بيد أن نيتشه في شخصيته اللامنتمي، يقوم بدور نبوي يجد
خلاصه في اكتشاف أعمق أهدافه (الانسان المتفوق) اذًا هو على خلاف موقف سارتر
الداعي الى الاستسلام والانقياد، يدعو للعمل على تحقيق هدفه.
كما أن نجنسكي أدرك العالم بجسده من خلال الرقص، وفان كوخ
أدرك العالم بما يشعر به، ولورنس أدرك الوجود بالعقل.. و هم من النماذج الانسانية
التي اتخذت فلسفة اللامنتمي نهج حياة .. يمكن القول : أن رغبة اللامنتمي (مهما
اختلفت توجهاته) هي أن يكف عن كونه لامنتمي، والتفكير بحل لمشكلته، كيف يخطو في
سبيل حل مشاكله؟ وهل الاولوية للوجود أم العدم عند اللامنتمي العقلي ؟ أم الحب
الخالد أم اللااكتراث الخالد بالنسبة للامنتمي الانفعالي؟ أم الموت أو الحياة
للامنتمي الحركي ؟
يمضي كولن ولسون في كتابه، محللا للعديد من الاعمال
الأدبية التي تعد نماذج واضحة للامنتمي، كما في اعمال ديستويفسكي وخاصة شخصية
المجرم راسكولينكوف في روايته الجريمة والعقاب ، وشخصية سفيدريجليوف فيها ايضا،
وشخصية ستافروجين في روايته الشياطين و رواية الانسان
الصرصار، و بالاضافة إلى هنري
باربوسا في روايته الجحيم، البير كامو في روايته الغريب، ويلز في روايته بلد
العميان و لورنس العرب في اعمدة الحكمة السبعة.
الذي استغربته حقيقة، عدم ذكر كولن ويلسون " ميلان كونديرا " في كتابه هذا رغم أنه من أعمق اللامنتمين و الوجوديين كذلك!
- يبقى (اللامنتمي) كتاب جدير بأكثر من قراءة واحدة...
