رواية شوق الدرويش - حمّور زيادة
الثورة .. و شوق الدرويش لـ حمور زيادة.
(إن كنا على الحق ، فكيف ظلمنا و قتلنا ثم هزمنا؟ )
في ظل الثورات العربية المعاصرة ، تتردد في الأنحاء تساؤلات تعبر عن حيرة بالغة : فهل كانت الثورة حلا لابد منه ؟! و ان كانت كذاك فلماذا هزمنا و ظلمنا ؟التساؤل تتردد أصداؤه في ثنايا رواية (شوق الدرويش) التي تناثرت أحداثها إبان (الثورة المهدية) في السودان (١٨٨٠-١٨٩٠) تلك الثورة التي جاءت دفعا لسيطرة الانجليز و المصريين و الأتراك على السودان.. لكن كما يشير اريك هوفر فان اتباع الحركات الجماهيرية يحتاجون الى معجزة تعزز إيمانهم بحركتهم، سواء أكانت حركة علمانية او دينية، و هذا ما حدث في الثورة المهدية التي استندت الى بعث فكرة (المهدي المنتظر) عند اتباعها وبان قائدها هو المهدي الذي جاء لينقذ الاسلام و اهله و يحرر مكة و بلاد الشام من الأتراك و غيرهم من الظلمة.. و كعادة الثورات التي تبدأ من اجل غاية نبيلة، يستغلها بعض المتنفعين لتحقيق مآربهم الخاصة، و تتلطخ يد الثورة بالدم من اجل نشر العدل، فهل يستوجب العدل بعض الشر لينتشر؟!
و هل أحقية اهل الثورة بمطالبهم تستوجب لزوم النصر ؟
اذا لماذا يحل الموت و الدمار بالثوار ؟ و هل ما حدث و يحدث الآن في مثل سوريا و فلسطين، العراق و غيرها.. الا مثالا صارخا على تلك المفارقة؛ فما بين الحق و لزوم نصره و ما بين ما يلحق بأهله من ويلات ما يدفع الكثيرين الى التساؤل عن الحكمة الإلهية مما يحدث، تماما كما تساءل حسن الجريفاوي في الرواية (فإن كنا على الحق فلماذا نقتل و نهزم ؟)
أم نكون مثل ابن خلدون في مقدمته ، الذي يحكم على الثورات وفق نتائجها، و يلوم الثوار الذين يشعلون فتيل ثورة لا تمتلك القوة و الإمكانيات الكافية لنصرتها، بل و يحملها إثم الدماء التي أريقت بسببها ، في منهج مادي للتعامل مع مجريات التاريخ؟ مع العلم ان ابن خلدون قد ناقض نفسه، فهو مع ثورة الحسين التي وفق منهجه لم تنجح،و ضد ثورة الفاطميين رغم انتصارها.
أم نتعامل مع الثورات كما تعامل غوستاف لوبون، الذي لا يرى في الثورات الا تعبيرا همجيّا مقلقلا لاستقرار البلاد من قبل (رعاع) بالغ في تصوير انحطاطهم وفق نظرة برجوازية استعلائية تحتقر تحركاتهم و مطالبهم التي تهدد مصالح النبلاء و المتنفذين ؟
و هل يمكن للحياد ان ينقذنا من طوفان الثورة ، أليست أحلك الأماكن في الجحيم، لأولئك الذين يحافظون على الحياد في الأزمات الاخلاقية ؟؟ أليس السكوت على الظلم هو دعم خفي لمشروعيته ؟!
هل يمكن أن تتوه بوصلة الثوار و يستيقظون فجأة و يكفرون بثورتهم ؟ و يَرَوْن ان مطالبهم لا تستحق كل هذا الدمار و الخراب الذي جرته ؟! و أنهم لم يكونوا سوى دمية تحركها خيوط اصحاب المصالح و جرى التلاعب بأحلامهم؟ كما قال الحسن الجريفاوي (وهل يكبنا في النار الا اننا امرنا فأطعنا؟ خيبه الله لو عصى لنجا) و انه تم استغلال إيمانهم العقدي و الأيديولوجي أبشع استغلال لتحقيق مخططات اخرى ، فالكثير من الإيمان يؤدي الى الكفر كما قال حسن الجريفاوي الذي دفعه الشيخ ابراهيم للالتحاق بالثورة و نبذ الدنيا و طلق زوجته ليتعلق قلبه (بالجهاد) الذي دعت اليه ثورة. المهدي .. تلك الثورة التي قتل طفلة و هو يخوض غمارها فهز مقتلها كيانه فإلى متى سيبقى يتقرب الى الله بالدم ؟
الصورة التي رسمها حمور زيادة للثورة المهدية تحاكي هذه التساؤلات جميعا و تدور في فلكها و تبقى مشروعة لمناقشة مطولة..
للتفكير لعلها تفسر لنا بعضا مما يجري حولنا: فأين الحق ؟ و أين الطريق ؟ و هل نحن ملزمون بواقع ما
(هل تنصحني أن أرضى بسجني؟
و هل سجنك نهاية الطريق ؟
أنا لا أَجِد الطريق.
كيف لأعمى أن يخاف الظلام يا جاهل ؟)