سيكولوجية الجماهير - غوستاف لوبون
قراءة في سيكولوجية
الجماهير لـ غوستاف لوبون

- يقول نيتشه في كتابه (هكذا تكلم زرادشت) :
" إن ميدان الجماهير
يغص بالغوغاء المهرجين...دع المشاغبين وارجع الى مقرك ،فما ميدان الجماهير الا
معترك يهدد سلامتك بين خنوع "نعم" وتمرد " لا"
- ويقول في موضع آخر :
" ليس على زرادشت ان يخاطب جماعات، بل عليه ان
يخاطب رفاقا، يجب الا يكون زرادشت راعيا للقطيع وكلبا له "
تساءلت دوما، ما الذي حدث؟ كيف خرجت هذه الجموع الغفيرة
فيما يسمى (بالربيع العربي) لتعيد صياغة واقعنا من حرّك حجر الدومينو لتتداعى من
بعده كل الأحجار ، من جيش تلك الجموع ؟وكيف ومتى و لم َ؟
"إنني
ما جئت إلا لأخلص خرافا عديدة من القطيع"
ما أطلق
عليه نيتشه مسمى (القطيع) بكل ما تحمله الكلمة من معاني الازدراء والاستهانة به، قابلها
عند علي عزت بيجوفيتش ما يسمى (بالثقافة الجماهيرية) وهي التي وصفها، (صب الأرواح
في قوالب متماثلة) مما يؤدي الى سلب الشخصية، ويصفها بأنها تحد من الحرية الانسانية
من خلال هذا التماثل، ويقول (هناك خطأ شائع يخلط بين الثقافة الجماهيرية و (الثقافة
الشعبية) و هذا الخلط يسئ الى الاخيرة، حيث تختلف الثقافة الشعبية عن الجماهيرية
في انها ثقافة أصيلة حية ومباشرة وهي بريئة من البهرجة... الثقافة الشعبية قائمة
على الاجماع و المشاركة، بينما المبدأ السائد في الثقافة الجماهيرية هو التلاعب في
إطار الثقافة الشعبية، .... ويمدنا هذا العصر بأمثلة تدلنا على ان وسائل الاعلام
الجماهيرية للثقافة - عندما تحتكرها الحكومة- تستخدمها لتضليل الجماهير كأسوأ ما
يكون التضليل ... لقد أثبت علم نفس الجماهير، انه من الممكن التأثير على الناس من
خلال التكرار الملح لإقناعهم بخرافات لا علاقة لها بالواقع (كما ورد في كتابه
الاسلام بين الشرق والغرب
لقد أفرد الفرنسي غوستاف لوبون، مؤسس علم نفس الجماهير، في
عام ١٨٩٥، كتابا مستقلا، تناول فيها دراسة الجماهير بشكل مفصل أسماه (سيكولوجية
الجماهير)، تحدث فيه عن الجماهير من وجهة نظر نفسية فعرّفه بـ (و هي تلك الحشود
والتكتلات، التي تتصف بصفات طارئة ولها خصائص مشتركة، تفترق عن صفات وخصائص
الأفراد الشخصية الواعية التي تشكلها، بحكم ظرف طارئ)، وتناول الصفات العامة لها
(فهي تتصف بسرعة الانفعال وخفتها ونزقها، وسرعة تصديق اي من الأحداث وسذاجتها، وان
عواطف الجماهير تتضخم (في مشاعر الحب والكره) ويتم تبسيطها، وهذه الصفات تلتقي مع
ما أشار اليه بيجوفيتش في كتابه السابق حيث يقول: (تتسم الحالة الجماهيرية بحالة عقلية أشار اليها (يوهان هويز نجا)
باسم الصبيانية... وتتصف (بتسليمات مبتذلة، غياب روح الفكاهة الأصلية، الحاجة الى
احداث مثيرة ومشاعر قوية، الميل الى الشعارات الرنانة والاستعراضات الجماهيرية ،
والتعبير عن الحب والكراهية بأسلوب مبالغ فيه، واللوم والمديح المبالغ فيهما، وغير
ذلك من العواطف الجماهيرية القاسية)
يصف غوستاف لوبون السر وراء انخراط الأفراد في الجمهور
فيقول: (ففي الجمهور يتحرر الأبله و الجاهل والحسود، من الإحساس بدونيتهم، وعدم
كفاءتهم وعجزهم، ويصبحون مجيشين بقوة عنيفة)
هذه الجماهير التي تميل الى التعصب في آرائها واستبداديتها
(تحترم القوة ولا تحترم الطيبة، بل هي بنظرها شكل من أشكال الضعف) هذه القوة التي
تقود في كثير من الأحيان الى التطرّف....فإن (بساطة عواطف الجماهير وتضخيمها،
يحميها من الشكوك وعدم اليقين، ، فالجماهير كالنساء - الكلام لغوستاف- تذهب مباشرة
نحو التطرّف فما ان يبدر خاطر ما حتى يتحول ، الى يقين لا يقبل الشك) لكن اذ ما نفرت تلك الجماهير من شيء ،
يتحول مباشرة الى حقد هائج، " بما أنه لا يمكن تحريك الجماهير و التأثير
عليها الا بواسطة العواطف المتطرفة"
ولكن كيف يمكن تحريك الجماهير والتأثير عليها؟
قد تكون المحاجات العقلية والنقاشات المنطقية، اخر
الدوافع المحركة للجماهير؛ " فالخطيب الذي يتبع فكره الخاص ، وليس فكر
المستمعين يفقد بذلك وحده كل تأثير " .... (و ليس مجرد البرهنة على صحة
الفكرة يعني قبولها لديهم، بسبب التعصب للآراء الموروثة)
بينما تتصدر الخطب الحماسية بأساليبها العاطفية ، التي
تشعل لهيب الثائرين وتروي عطش المستمعين ، وتدلي لهم بما يحبون ان يسمعوا، "
إن الحاجة لتنويع الخطاب الموجه للجماهير طبقا للأثر المتولد في اللحظة التي نتحدث
فيها، يمنع مسبقا اي خطاب مدروس و مخطط له مسبقا
"
هي الطريقة المثلى في تحريك الجماهير عن طريق تكرار
الافكار والشعارات الرنانة، والتأكيد المستمر على صحتها دون الحاجة الى إثبات ذلك
بدليل علمي ، لتنتشر عدوى التقليد لتلك الافكار التي تنتشر انتشار النار في
الهشيم، كما ان الهيبة الشخصية لمحرك الجماهير ، تلعب دورا كبيرا في إقناعها على
ضرورة الامتثال له.
" الافكار لا يمكنها ان تصبح مهيمنة الا بشرط ،
ان تتخذ هيئة بسيطة جدا، وان تتجسد في نفوسها على هيئة صور، وانعدام الروح النقدية
للجمهور قد تجعله يتبنى افكارا متناقضة لا يراها) يساعدها
في ذلك ؛ القادة الفاعلين، والمطبوعات الدورية) التي تصنع الآراء لقرائها، وتؤمن
لهم جملا وعبارات جاهزة تعفيها من عناء التفكير
ويستمر غوستاف في تحليله لسكيولوجبة الجماهير مدعما بعض
آرائه بعلم الأعراق (وهو ما لم اقتنع به شخصيا) و يتماشي مع روح القرن التاسع عشر
ونظرتها العنصرية الدونية لباقي الأعراق ،فيتحدث عن انواع الجماهير (الجماهير
المجرمة) التي تنخرط في العنف بشكل سافر كما حدث ايام الثورة الفرنسية وما عرف
بمجزرة سبتمبر ، والجماهير الانتخابية وهي المشاركة في انتخاب أشخاص .. والجماهير
المتجانسة مثل : الطوائف (الدينية او السياسية) ، او الزمر مثل : الزمر العسكرية
او العمالية ) او الطبقات مثل: البرجوازية
...
وجماهير غير متجانسة و تضم : جماهير مُغْفلة (كجماهير
الشارع) و جماهير غير مغفلة (كهيئات المحلفين والمجالس البرلمانية)
فبعض عقائد تلك الجماهير، تتصف بمحدودية قابليتها للتغيير
مثل : العقائد الثابتة (العقائد الدينية مثلا) و الآراء القابلة المتحركة الجماهير.
الكتاب جدير بقراءة نقدية لما بين السطور، لعل وعسى ، ان
تتحرك جماهيرنا في يوم ما لما فيه خيرها
.