الإسلام بين الشرق و الغرب – علي عزت بيجوفيتش.

بلا مبالغة، أنا أمام هذا الكتاب كمن يقف أمام بحرٍ لا
يرى له ساحلًا.. على الأقل في حدود بصره! فمن أين أغترف ومن أين أبدأ وإلى أي شيءٍ
أنتهي وأي شيءٍ أصطاد؟!! بل بأي شيءٍ أتمسك إذا ما دهمني الغرق فجأة وأنا في غمرةٍ
من غمرات الغطس والانهماك؟! وقد دهمني الغرق وفعل.. وما كنتُ أحسب أنني سأنجو!!
أحيانًا كنت أتململ من طول مكوثي في هذا الكتاب وصعوبة
بعض مفاهيمه إلا أنني ما إن كنت أفتحه وأعود إليه حتى أسرح فيه وأحلق في سمائه
وأكوانه العظيمة جدًا والشاسعة جدًا!
هذا الكتاب ليس كما يتبيّن من عنوانه من أنه يناقش
الإسلام ومكانه بين الأيدولوجيات والأفكار والفلسفات الشرقية والغربية.. بل إنه
يناقش الأيدولوجيات والأفكار والفلسفات في الشرق والغرب ويجعلك تتلطخ في وحلها
وتتعرض لدرنها وخبَثها حتى تستشعر ضررها و ضرارها فتنبذها رغمًا عنك وتهرب راجيًا
الخلاص.. ولن تجد هذا الخلاص إلا في الإسلام.. أي أنه يجعلك تستشعر عظمة الإسلام
من خلال استيعابك لهؤلاء أولًا ولأخطائهم.. فالصفحات التي تحدث فيها عن الإسلام
باصطلاحه الذي نعرفه لا تُقارن بعدد الصفحات التي تحدث فيها عن المفاهيم الأخرى.
أظن أن أفضل طريقة لمناقشة الغرب وغيرهم في أيدولوجياتهم
هي أن تنطلق معهم من أساساتها ومبادئها وتناقشها وتفندها وتبين بطلانها وعدم
صلاحها للبشرية كما فعل علي عزت بيجوفيتش في كتابه هذا، فهي من الإقناع أقوى وأجدر
من أن تبدأ بنقاش الفروع والهوامش أولًا..
بصراحة لا أجد مفردةً من مفردات العظمة تعبر عن عظمة
تقديري لهذا الكتاب وكاتبه واستفادتي الكبيرة جدًا منه.. ولا أظن أنني سأحيط
بكلماتي المحدودة الآتية ما استفدته وأعجبني في هذا الكتاب.. فهي غيضٌ من فيض،
وورقة من شجرة.. وهي أولًا وأخيرًا جهد المُقِل..
يناقش المؤلف في البداية نظرية داروين ويؤكد زيفها وكذبها
من جانب آخر لم نتعود على طرحه في المناظرات والمناقشات التي تناقش هذه النظرية؛
فغالبية هذه المناقشات تناقش بطلانها من الجانب البيولوجي ولا تلتفت كثيرًا إلى
جانبٍ آخر موجود في الإنسان وهو خصيصة من خصائصه التي ينفرد بها عن غيره من
الحيوانات، وهو الجانب الميتافيزيقي أو الروحي أو الديني أو الإلهي.. يرى علي عزت
أن الإنسان يشترك مع الحيوان في كثير من الأشياء؛ فهناك شعور وذكاء ووسائل اتصال
ورغبة في إشباع الحاجات والالتحاق بالمجتمع وبعض أشكال الاقتصاد، لكن ليس في عالم
الحيوان شيء ما يشبه -ولو بشكل بدائي- الدين أو السحر الدرامي أو المحرمات أو الفن
أو المحظورات الأخلاقية... إلى غير ذلك مما ظلّ موجودًا لدى إنسان الشعوب البدائية
إلى إنسان العصر الحديث، ويؤكد ويبرهن أن هذه المفاهيم الميتافيزيقية غير قابلة
للتطور والتدرج كما تقبل المادة أو الجسد التطور، فقد وجدت إحدى الدراسات مثلًا أن
الخصائص النفسية لدى إنسان الشعوب البدائية لم تختلف إلا بنسبة ضئيلة عن الخصائص
النفسية لدى إنسان العصر الحديث، ومن ثم فهو ينسف من خلال هذا البرهان نظرية
داروين التطورية، فلا دين أو أخلاق أو محرمات أو غيرها من الميتافيزيقيا بلا وجود
للخلق والخالق.
أعجبني أيضًا ربطه لقضية الخلق والخالق بقضية الحرية
الإنسانية عندما قال : " فإذا قبلنا فكرة أن الإنسان لا حرية له، وأن جميع
أفعاله محددة سابقًا -إما بقوى جوّانية (ميتافيزيقية المصدر) أو برّانية (طبيعية
أو مادية المصدر)- ففي هذه الحالة لا تكون الألوهية ضرورية لتفسير الكون وفهمه.
ولكن إذا سلمنا بحرية الإنسان ومسؤوليته عن أفعاله فإننا بذلك نعترف بوجود الله
إما ضمنًا أو صراحة، فالله وحده هو القادر على أن يخلق مخلوقًا حرًا.. فالحرية لا
يمكن أن توجد إلا بفعل الخلق.. الحرية ليست نتيجة ولا إنتاجًا للتطور، فالحرية
والإنتاج -أو الآلية بمفهوم أقرب- فكرتان متعارضتان، إن الله لا ينتج ولا يشيد، إن
الله يخلق. وقد اعتاد الناس أن ينسبوا إلى رجال الفن فكرة الخلق، ولكن الفنان الذي
يشيد لا يقوم بخلق شخصية وإنما صورة لإنسان، فالشخصية لا يمكن تشييدها".
أيضًا أعجبتني فكرته بأن لا يمكن تحقيق المساواة بين جميع
الناس على اختلاف مشاربهم إلا بالدين واقتناع الناس أنهم جميعًا مخلوقون لله
تعالى، فالنظرة المادية والطبقية والفكرية والاجتماعية نحو الناس والتي سادت
واستأسدت وعانت منها الشعوب في الدول الاشتراكية والرأسمالية وغيرها تفرّق وتزيد
من أسباب الكراهية والظلم.. و استعار بالمساجد وغيرها من المعابد كمثال، حيث
تتساوى الأضداد -من أغنياء وفقراء وغيرها- وترضخ للتماثل والتطابق.. كذلك حين تحدث
عن الفن أنه يؤدي وظيفة مقاربة لوظيفة الدين في تحقيق المساواة بين البشر لأنه
"يكشف عن الروح الإنسانية المتساوية القيمة في جميع البشر".
في صعيد طرحه للحرية الإنسانية أحببت جدًا حديثه عن أن
قيمة الإنسان وحريته تتأكد في احترام عقله وروحه وإنسانيته المتفردة وذاته
المستقلة، ومهاجمته لأساليب التعليم التي تعتمد على التلقين وتعامل الإنسان كما لو
أنه "شيء" أو آلة لا تفكر ولا تقرر ولا تستقل وإنما تقلد وتُوجّه وتتبع
أمر صانعها، وغير ذلك من القوانين القضائية والأعراف الاجتماعية التي تتعامل مع
الإنسان بالنظرة نفسها..
وفي سياق هذا الأمر.. وفي غيره من سياقات هذا الكتاب؛
صُدمت أن مقولة "الإنسان نتاج بيئته" التي وجدناها تتكرر كثيرًا في
مناهج علم النفس في الجامعة والتي تصور سلوك الإنسان على أنه مجرد استجابة
للمثيرات الخارجية وكأن إرادته الشخصية لا تؤثر في الأمر أو لا تؤثر في ظروف بيئته
الخارجية.. صُدمت أن هذه المقولة هي مسلمة رئيسية في المذهب المادي الذي يرفض
الدين والأخلاق ويرى أن سلوكيات الإنسان-بل الإنسان كله-إنما هو من تأثير حتميات
ومسببات طبيعية وموضوعية في بيئته الخارجية لا يد له فيها على الإطلاق.. وهو بذلك
يرفض إرادة الإنسان وقدرته على الاختيار بين الخير والشر لأن اختياره إنما هو
نتيجة ظروف حتمية خارجية مكتسبة!!
أذهلني كذلك تفريقه بين الثقافة والحضارة، وربطه بين
الثقافة والدين والفن والأخلاق وإدراكه العلاقة بينها وجمعها على صعيدٍ واحد..
صعيد الجانب الروحي في الإنسان، وربطه بين الحضارة والعلم والطبيعة وجمعها على
صعيد واحد.. صعيد الجانب المادي في الإنسان، في ربطٍ أقل ما يقال عنه أنه تحليلي
وذكي ومبهر!
يعرّف المؤلف الثقافة بأنها تأثير الدين على الإنسان أو
تأثير الإنسان على الإنسان.. أو هي الفن الذي يكون به الإنسان إنسانًا، ويقرر
بأنها تبدأ بـ"التمهيد السماوي" بما اشتمل عليه من دين وفن وأخلاق
وفلسفة؛ وهي بهذا التعريف تشترك مع الدين والفن في مصدرهما الروحي أو الإنساني.
بينما الحضارة هي تأثير الذكاء على الطبيعة أو على العالم
الخارجي.. أو هي فن العمل والسيطرة وصناعة الأشياء صناعة دقيقة؛ وهي بهذا التعريف
تشترك مع العلم والطبيعة بمصدرهما المادي.
الحضارة بهذا المفهوم المادي تعترف بالتطور الدارويني
الذي لا يأخذ بالاعتبار الدين والأخلاق؛ وكثير من البلدان "المتحضرة" لا
تمتلك ثقافة أو أخلاقيات تردعها عن دهس كل ما يعوق تقدمها نحو جنتها الحضارية
الموعودة؛ فيسحق القويُ منها الضعيف بحجة "البقاء للأصلح" كما تقرر الداروينية
الاجتماعية، وكثيرٌ من البلدان الغير متحضرة تمتلك ثقافةً تمدها بحظٍ وافر من
الإنسانية والأخلاق، ورغم ذلك تُلقب ظلمًا بـ"المتخلفة" لأنها لم تلحق
بـ ركب الحضارة المادية العارية من القيم والأخلاق! بصراحة أستطيع القول بأني في
هذا الفصل بالذات كرِهت الحضارة ومقتُّها وكدت أكفر بها وأؤمن فقط بالثقافة لولا
أنني كبحت جماح انفعالي بصوت العقل والمنطق؛ فليست منطلقات ومفاهيم أو لفظ
"الحضارة" يشير بالضرورة إلى منطلقات ومفاهيم الحضارات التي أشار لها
المؤلف في كتابه والتي تنطلق من أساسٍ مادي بحت وتطبق مبادئ الداروينية.. ليست كل
حضارة كذلك.. فهناك الحضارة الإسلامية التي انطلقت من ثنائية ظنّ الآخرون أن الجمع
بينها مستحيل؛ وهي ثنائية الروح والمادة، وقد كانت هذه الحضارة مثالًا رائعًا
للجمع بين المتناقضات كالروح والمادة، والثقافة والحضارة، والفن والعلم، والإنسان
والمجتمع.
أعجبني أيضًا حديثه عن التعليم والتأمل، والتعليم التقني
والتعليم الكلاسيكي، والريف والمدينة كتطبيقات ومفاهيم ينتمي بعضها للثقافة والآخر
للحضارة في طرحٍ عميق ولافت لا يصدر إلا من مفكّر متأمّلٍ متبصّر.
كذلك حديثه عن الدين والثورة والرابطة العميقة الخفيّة
بينهما أخذ بمجامع قلبي وأمسك بتلابيب عقلي ذهولًا وإعجابًا.. يقول علي عزّت
:"كل ثورة حقيقية هي عضو في أسرة كبيرة تتميز بسمات: الإيمان، والشعور
المتضخم بالقوة والأهمية، والعدوان، والرغبة العارمة، والتضحية والموت" فكل
ثورة فيها من حرارة الإيمان ووقود الرغبة ورفض الظلم واليقين بكرامة الإنسان
والرغبة بالتضحية والشهادة في سبيل الهدف المنشود ما يذكرنا فعلًا بالمبادئ التي
يحضّنا عليها الدين وخاصةً الدين الإسلامي، هذا الترابط بين الدين والثورة جعلني
أتفكّر ببعض الذين يتحدثون باسم الدين ويُسمّون بالعلماء ونراهم يستكينون لظلم
الطغاة ويسكتون عن بغيهم وفسادهم ويخمدون غضب العامّة بأحاديث الصبر والتسليم
فيزداد الظلم وينتشر الفساد، ويظنون أنهم وُفّقوا واقتربوا من مقاصد الدين ولا
يعلمون أنهم يبتعدون عنه، فيُبتلى بهم الدين وتزداد بهم بلاءً العامة!
الفصل الذي تحدث به عن الفن والعلم هو من أمتع الفصول
وأروعها وأكثرها إثارة بالنسبة لي.. الترابط الوثيق بين الدين والفن في النشأة
والشعور والهدف أثارني وأذهلني جدًا.. "إن الدين والفن والأخلاق جميعها ذات
مصدر واحد: وهو شوق الإنسان إلى المجهول" هذه العبارة البليغة تبين لك طرفًا
من العلاقة الوثيقة بين الدين والفن.. المشكلة أن هناك في منطقتنا العربية بالذات
من ينظر إلى الفن نظرةً مريبة وكأنه يعاكس الدين ويجافيه، ولا أنكر أن انتشار الفن
الردئ والهابط وخاصة في التمثيل والغناء قد ساهم في تشكيل هذه النظرة، لكن الحقيقة
أن الفن في جوهره رسالة إنسانية نبيلة همها الإنسان وما يعتريه من مشكلات وما يحقق
له السمو والعلو..
كذلك شدني الفصل الذي تحدث به عن الثقافة والتاريخ وأن
الثقافة عنصر غير قابل للنمو والتطور فقد وجدت مشتركات ثقافية لدى الشعوب البدائية
وشعوب العصر الحديث لا تختلف إلا في الأسلوب أو الشكل الخارجي. وحديثه كذلك في ذات
الفصل عن الفن والتاريخ وسرده شواهد عن لوحات أبدعتها القبائل البدائية في أفريقيا
وغيرها تساوي في قيمتها الفنية لوحات أبدعها فنانون أوربيون معاصرون مما يؤكد بأن
الفن في جوهره عنصر ثابت لا يتطور كما الدين والأخلاق.
في فصل الدراما و الطوبيا تظهر مرة أخرى قدرة المؤلف
النابغة على التفريق المتعمق وعقد المقارنات واستخلاص النتائج والإقناع أخيرًا.. من
خلال معرفتي الطفيفة بالفلاسفة الإغريق كنت أميل إلى أفلاطون وفلسفته، كنت أشعر
بأنه يولي المُثل والدين والأخلاق وكل ما من شأنه سمو الإنسان اهتمامًا عاليًا
ومختلفًا، لكن حين قرأت عن مدينته الفاضلة في هذا الكتاب التي يسلك بها أفلاطون
الإنسان والمجتمع مسلكًا ماديًا آليًا صرفًا استنكرت ذلك وأبغضته!
حقًا.. أن تكون إنسانًا دراميًا يخطئ ويصيب ويكبو وينهض
ويتراجع ويتقدم أفضل بألف مرة من أن تعامل كآلة وتُلغى إنسانيتك وفرديتك وتتماهى
في مجتمع أشبه ما يكون بالقطيع!
في القسم الثاني يتناول الإسلام ذلك الدين الواقعي
والطريق الجامع بين ثنائيتين يتيه بين اختيار واحدة منهما الإنسان وتندثر قيمته
وتذوب خصيصته.. وهي ثنائية الروح والمادة، في بيان وسرد لا يجعل القلب إلا مطمئنًا
ولا اللسان إلا حامدًا شاكرًا نعمة هذا الدين العظيم.
ثم يتناول بعد ذلك ويناقش الدين المجرد المتمثل في
المسيحية والمادية المجردة المتمثلة في الاشتراكية الشيوعية وتباينهما بين جانبهما
النظري والعملي ويسرد المفاهيم الخاصة بهما والتطبيقات في مقارنات وتناقضات
وإشكالات لا تجعلك في نهاية الأمر إلا أن تقارن بينها وبين الإسلام لتدرك أنه
الدين الحق.
مما لم أفهمه وأستغربه في طرح علي عزت أنه لم يناقش
الرأسمالية ويسهب فيها ويطيل بها نفَسه كما فعل مع الاشتراكية! مع أن كليهما
ذراعين من أذرعة الفكر المادي المتطرف! وأظن أن الجواب على هذا التساؤل أن الرجل
وشعبه البوسني المسلم قد اكتووا بنار الاشتراكية ردحًا من الزمن، ولم تكن قد
طالتهم حمم الرأسمالية وشظاياها.. فربما لهذا السبب لم يكتب عنها كما فعل مع
الاشتراكية .. والله أعلم.
بقي أن أشير وأشيد بترجمة محمد يوسف عدس الرائعة والجميلة
لهذا الكتاب.. حقًا لم أشعر معها بأن الكتاب مترجم من لغةٍ أخرى..
ختامًا، رحم الله هذا الرجل العظيم والمفكر النادر.. لقد
كان "مجاهدًا" و "مجتهدًا" كما يقول د. عبد الوهاب المسيري..
رحمهم الله جميعًا!