الجوع - كنوت هامسون

الجوع.. و أزمة المثقف و الحياة
بلا اسم.. فكل الأسماء تصلح له؛ بين ازقة كريستيانا في
النرويج (أوسلو حاليا)، يمضي بطل القصة المهزوم، يبحث عما يمكنه ان يسد جوعه،
كاتب مغمور بمقالاته التي يحاول نشرها، عله يحصّل بعض ريالات يسد بها جوعه واجرة
الغرفة التي اكتراها، ترفضه الصحف ، ومع ذلك يستمر بالمحاولة، مرة تلو اخرى يكتب
ويكتب، مقالات فلسفية، ادبية تخيلية وصفية.. مسرحية.. لا يهم المهم ان يسد جوعه
بحروف قلمه..
يعايش الجوع اياما، فالاصل ان يحيا جائعا، وإذ ما شبع
يوما تقيأ ما دخل جوفه... جو سوداوي.. صرخة وجعه.. صوت أمعائه التي اعتركها الجوع
لايام.. عزة نفسه التي ترفض اي احسان وصدقة من الآخرين.. حتى اذ ما قدم احدهم
كسرة خبز، سارع الى رفضها مع ان الطعام لم يجد لمعدته سبيلا منذ ثلاثة ايام..
تشرد.. طُرد من غرفته.. نام في العراء تحت شجرة في البرد الإسكندنافي.. وعندما
وقعت بعض النقود بيده لقاء مقال أبدعه استثناء على غير عادته، سارع بالتصدق بماله
لفقير طلب إحسانه!
لم يستطع رد اي سائل، ممااضطر مرة الى رهن صدارته التي
يرتديها لقاء حفنة من النقود ليساعد ذاك الحارس الذي قصده سائلا.. حتى وان ساقه
ذلك للاستدانة او الكذب... الكذب كان ديدنه.. لم يكن على وفاق ابدا مع الصدق..
كذب حين اخترع اسما له من خياله.. وعبر مجريات القصة يستبدل اسما له باخر، وكأن
الكاتب يريد ان يقول لنا، ان هذه القصة.. قصة جوع الانسان وفقره.. في المجتمع
المدني.. هي قصة اي فرد منا ..وليست حكرا على فرد دون اخر، فلا حاجة للأسماء وقد
عمم الالم.. نعود للبطل المهزوم.. الذي يكذب في ادعاء مهنته التي يعمل بها؛
حفاظا على صورته امام الآخرين.. فالبطل رغم جوعه وفاقته التي يحياها الا انه كان
يرفض العمل اليدوي، ويصر على التعلق بأحلامه الطوباوية، التي لن تتحقق الا
بمقالات فلسفية .. لا تتناسب حتى مع مستوى القرّاء ولا تصلح للنشر، كما قال له
رئيس التحرير في يوم ما، قد تبدو هذه الحالة مشابهة لابعد الحدود مع ما يمكن وصفه
(بأزمة المثقف) المنبت عن واقعه، الذي يفضّل معايشة الوجع من برجه العاجي، على
مخالطة هموم الواقع المعاش، والتفكير بحلول عمليةن عوضا عن التنظير والتمنطق،
وعيش دور الضحية ...
لكن المثقف البطلن قد يسرق حين يجوع في نهاية المطاف،
كما حدث في قصتنا، لكن وجع روحه وعزة نفسه ونبلها، تدفعه الى الاعتراف بسرقته،
ولكن عوضا ان يرجع المال الذي سرقه للبقال، يسارع بالتبرع به لفقير التقاه !!
يتماهى مع الصعاليك الذين يسرقون من الأغنياء ويبررون
سرقتهم بنبل غايتهم!
لكن البطل مع نبل روحه وعزة نفسه، الا انه استساغ ان يقبل
عشرة ريالات من الفتاة التي أحبها، رغم احتقاره لسلوكها المبتذل.. هذا التناقض مع
السمو والابتذال.. يدفعنا للتساؤل عن حقيقة نبل مشاعره أصلا! لماذا لم يتعاطف معها، وقد كانت ضحية اغتصاب، حرمها شرف السمعة و التعاطف، لكن بطل قصتنا الضحية يتحول
جلادا في تقييمه لها، لم يتوان عن جلدها باحتقاره و مع ذلك قبل اموالها التي
أنقذته !! قد نكون جلادين وطغاة ولكن بدرجات متفاوتة، قد نهوى دور الطاغية اذ ما
استطعنا اليه سبيلا.. كل يظلم حسب قدرته وإمكانياته !
قد يكون الجوع الذي عانى منه البطل، هو التمثيل الرمزي
لحالة الجوع الوجودي، لإشباع نهم الانسان في معرفة ذاته وكينونتها في هذا الوجود، جوع لفهم علاقتها مع موجدها و التي تمثلت بانتفاضات البطل العديدة على
السماء و قد يكون التقيؤ هو أحد مظاهر هذا الاحتجاج؛ رغبته في الانبتات عن هذا
العالم المادي (والذي كان الطعام رمزا له) ففي كل مرة يشبع فيها يسارع الى
التقيؤ و كأن جوعها الدائم اصبح يستهويه، ففكرة الوجود تقوم على البحث الحثيث
لإشباع جوع الانسان الوجودي والمعرفي، فإذ ما ظن بالاكتفاء المعرفي فقد جهل، و في
محاولة اخرى منه للتطهر من علائق العالم المادي، و كنوع من الاحتجاج المبطن على
سيطرة النزعة المادية على حساب نزعته المثالية جاء كرم بطل الرواية المبالغ
فيه، فعلى امتداد صفحات الرواية ما ان يمتلك ريالا واحدا حتى يتصدق به رغم حاجته
الماسة له وكأن المال نوع من الرجس الذي لا تتطهر نفسه الا بزواله...
احتجاجاته الوجودية تزداد حدة و لعنته و صراخه الذي علا اكثر من مرة ليشق صمت
الرواية ورتابتها ويساءل السماء واللهن ماذا تريد ولماذا جئت ولماذا أعيش والى
متى امضي في هذه الحياة؟!
و من باب المصادفة لم ينقذه من تيه خطواته وبرد الشتاء في
احدى المرات سوى (السجن)
حيث حظي أخيرا بليلة تحت سقف يؤيه السجن بكل رمزيته
المشحونة بنقائض الحرية التي يسعى الكاتب للوصول اليها لإشباع جوعه (الوجودي)
كان هو الحل!! فلم يكن الطريق اليها وَيَا للمفارقةالا عبر السجن (هنا كان السجن
او النوم في الزنزانة قرارا اختياريا للبطل حين نسي مفاتيح غرفته ولم يجد بدا من
التوجه لقسم الشرطة ليحظى بملجأ ينام فيه) فأي تيه اعتراه في مشوار إسكات جوعه !؟
يمضي البطل المهزوم الى الميناء ويقرر مغادرة المدينة و يقبل العمل على سطح سفينة مهما كان نوعه، يريد فقط الابتعاد عن مدينة الجوع تلك،
و كأننا امام هزيمة للانسانية امام المادية الطاحنة، الانسانية تهرب بعيدا .. بعيدا
جدا عن مدينة النور والأضواء.