الأبله - دوستوفيسكي (3)


الأخلاق والثورة الصناعية في رواية الابله
لديستويفسكي ج/3
الجزء الثالث و الأخير من مراجعتي للرواية.

وتستمر المشكلة الاخلاقية تلقي بظلالها على صفحات الرواية، لتكون لاشكالية الأخلاق والثورة الصناعية في الغرب و روسيا نصيب من هذا الطرح، حيث تبدلت القيم ، وتعالت دعوات تنحية الدين من الحياة ( لقد آن لصانع هذه الآلة الكبيرة أن يستريح)،وسرعان ما انتشرت الأفكار التي تنادي بمركزية الفرد في الكون، وتحقيق المصالح الفرديّة بغض النظر عن موافقتها للمرجعيات الدينية والاخلاقية، كل شيء تبدل، و حلّت الأفكار الرأسمالية بكل تطرفها محل المنظومة الاخلاقية القديمة، ففي حوار الامير ( الأبله) مع الامير شتش حول تغيير المنظومة القيمية يقول :" اعرف تماما ان الجرائم كانت في الماضي لا تقل عددا ولا هولا ..لكن إليك ما لاحظته ان أعتى أولئك المجرمون وأكثرهم خلوا من عذاب الضمير يحس مع ذلك انه ( مجرم) أي أنه في شعوره ووعيه يدرك انه أذنب وان كان لا يحس باي ندم ، تلك حالة جميع أولئك السجناء ، لكن المجرمين الذين يتكلم عنهم اوجين بافلوفتش أصبحوا لا يريدون ان يعدوا أنفسهم مجرمين، فهم في قرارة أنفسهم يعتقدون انهم على حق وأنهم يحسنون صنعا او يعتقدون بشيء من هذا القبيل . هذا في رأيي فارق كبير .."

فديستوفسكي عندما يشير الى تغيير المعايير الاخلاقية ، يسلط الضوء على السبب من وجهة نظر ليبدييف فيعزو ذلك " إلى الروح العلمية العملية التي سيطرت ميولها في هذه القرون الاخيرة" وغياب المرجعية الروحية -التي لم ينتفِ الشر اثناء وجودها ايضا- " أصبحت الانسانية مسرفة في الجلبة والضوضاء ، مفرطة في الصناعة على حطام الهدوء النفسي والغبطة الروحية"

فالمحامي الذي برر قتل موكله لستة أشخاص بدعوى الفقر، قد انسلخ عن منظومته الاخلاقية في سعيه للربح المادي، وهو ما لم يكن احد يجرؤ على القيام به فيما مضى! لكن ديستوفسكي يشدد على ضرورة دراسة الوضع النفسي للمجرم لفهم بواعثه النفسية "

ويؤكد ذلك في موضع آخر "ولكن يجب ان نحلل قبل كل شيء الوضع السيكولوجي والقضائي لهذا المجرم" كما صرح ليبدييف عندما تحدث عن مالتوس آكل لحوم البشر -الذي لم يكن يأكل سوى أجساد الرهبان إبان المجاعة( في غمز لشراهة الرهبان وسيطرتهم على ثروات الشعوب) " إنما أضع ذاتي في الحالة النفسية التي كان عليها إنسان القرن الثاني عشر "وما يتبع تلك المعرفة من تشخيص مواطن الداء الاخلاقي في المجتمع، هذه الروح العلمية التي تجاهل ليبدييف كل محاسنها وحمّلها كل أسباب التدهور الاخلاقي في العصور المتأخرة ، لأنها تقوم حسب وجهة نظره على "ارضاء الانانية الفردية وإشباع الحاجات المادية " فهي تكفل ( غريزة البقاء وحدها) فيصبح هذا هو قانونها الرئيسي ومرجعيتها القيمية، "لكن هذا القانون ليس سويا ولا طبيعيا اكثر من قانون التدمير، وحتى تدمير الذات . هل البقاء هو القانون الطبيعي السوي الوحيد الذي يحكم الانسانية؟ "

اذا في سبيل تحقيق هذا القانون، فالغاية تبرر الوسيلة كل شيء مباح لا خطوط حمر او معايير اخلاقية سوى ما يتوافق مع هذا الهدف او ذاك.

قد تكون الثورة الصناعية قد قلبت المنظومة الاخلاقية ، وقد يكون التشتت الفكري الذي رافقها قد اسهم في تشظي هذه المنظومة ايضا " في ذلك الزمان ، كان الانسان إنسان الفكرة الواحدة، إن صح التعبير . أما معاصرونا فلأن أعصابهم أكثر توترا ، و لأنهم أكثر تطورا وأشد حساسية فهم يستطيعون أن يتبعوا فكرتين أو ثلاثا في آن واحد ... إن الانسان الحديث أوسع وأرحب . وإني أؤكد لك أن هذا ما يمنعه من أن يكون كتلة واحدة متسقة الجوانب كما كان إنسان القرون الخالية "
هذا التشتت يجعل القيم الاخلاقية في حالة تقلب دائمة، ويخرجها من اطر الثبات والجمود الى الديناميكية المستمرة "فلا أحد يعرف الأسس التي قد يبني عليها المجتمع ، بعد بضع سنيين رأيه في قيمة رجل من الرجال في روسيا"

لذا أطلقت إليزابيت بروكوفيفنا صيحتها التي ختم بها ديستوفسكي روايته، لتكون ناقوس خطر يقرع في مواجهة خطر التبدل الاخلاقي الذي جره الغرب على روسيا ، وهو ما يتوافق مع موقف ديستوفسكي من الحضارة الغربية التي تفترق في منظومتها الاخلاقية عن روسيا ، فتقول :" كفى حماسات سخيفة ! آن لنا أن نسمع صوت العقل ! كل هذا، كل هذه البلاد الأجنبية التي تشيدون بها، كل أوروبا هذه التي تعظمونها، كل هذا ليس الا سرابا .. ونحن أنفسنا لسنا في البلاد الأجنبية الا سرابا.. تذكروا ما أقوله لكم .. ولسوف تعلمون"

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اللامنتمي - كولن ولسون

العمى - خوسيه ساراماجو

رواية شوق الدرويش - حمّور زيادة