عن 2016..

عزيزتي 2016

و أنت توشكين على الرحيل، أجد لزاما عليّ مصارحتك بما يجول بخاطري.. نحتسي فنجانا من الشاي و نتحدّث لساعات من باقي ايامك المتبقية!
لا أدري حقا ، ان كانت الأربع و عشرون ساعة الفاصلة، ما بين الحادي و الثلاثين من ديسمبر منك، و الأول من يناير لصديقتك 2017 ستشكل فرقا جوهريا في مسيرة حياتي حتى أنتظر الساعات تلك بشوق العاشق المتلهف للقاء محبوبته، هل حقا هناك فرق يستحق الانتظار ؟!
عبثا أحاول ترتيب أفكاري ، من أين سأبدأ معك عزيزتي ؟! و هل حقا هناك ما يقال؟ أم أنني أنقاد طوعا الى اهزوجة رثاء العام المنصرم و استعراض خيباته أو إنجازاتي القليلة؟ لا أدري حقا هل لحديثي معنى معك الآن ؟ أم هو مجرد تفريغ عاطفي و سيل من الكلمات علي أن ألقيها و أمضي ... حتى و ان كان هذا دافعي فهو يستحق !

عزيزتي 2016 

إن كان هناك ما تستحقين أن توصفي به ، فهو أنك (سنة وجودية) قد يظن البعض أن من الترف الفكري أن يبحث الانسان عن ذاته ، أن يحاول فهمها و يحاورها ، بل و يجمع شتاتها الممزق بين ما كانت عليه يوما و ما هي عليه الآن و ما تطمح أن تكون يوما؟
أيعقل أن نكون على هذه الدرجة من الجهل بذواتنا!
أمن الممكن أن نمضي سنواتنا التي تزيد على العشرين و بضع سنين و نحن ما زلنا نبحث عن حقيقة أنفسنا؟ لكن مهلا عزيزتي ! هل ما كُنته و أنا ابنة خمس عشرة سنة هو نفسه الذي أنا عليه الآن في الثالثة و العشرين؟! و هل من المطلوب أن أكون نفسه بعد عشر سنين من الآن؟
هل يمكنني أن أنقلب على نفسي مرة واحدة : على أفكاري و مبادئ و معتقداتي بدعوى التطور و التغيير و التبدل و استجابة للظرف الحالي أو النفسي ؟ إلى أي حد عزيزتي 2016 قد أتعرف على نفسي أو اجد شيئا مشتركا بين ذواتي المنشطرة بين ماضيها و حاضرها و مستقبلها؟ لأي درجة قد انجح في المؤامة بينهم من دون ان افقد جذوة الروح التي جمعتهم؟ هل يمكن للإنسان ان ينكر بل و يتنكر لنفسه؟!
حقا عزيزتي لا ادري ، ماذا لو تركنا هذه الأسئلة معلقة فطالما أتعبتني معها، غير اني لست في حيرتي وحدي، فبورخيس في قصته (الآخر) يتطرق لذات المسألة عندما يتخيل أن ذواته تلتقي يوما و تتحاور .. الطفل المراهق و الرجل الستيني.. و كم كان الفارق هائلا ، فقد أوشك أن لا يستدل على ذاته حين تنقل بينهما!

عزيزتي 2016

إن كان من حقيقة قد توصلت إليها خلال أيامك المنصرمة، فهي (اللايقين) لست متيقنة من أي شيء.. لم أعد تلك الفتاة التي تؤمن بالمطلق في اي شيء.. لم تعد تلك الفتاة التي تهتف ثائرة لقضية سياسية، فبعد فواجع أمتنا و ثوراتنا بات الحليم حيران ! لم أعد أتيقن من حقيقة المشاعر الانسانية ! فمع كل الخيبات التي كنت سببا فيها للآخرين .. و مع كل خذلانهم لي أدركت ان لا شيء يمكن أن يكون حقيقيا! و ان الحدود الفاصلة بين مشاعرنا و ما نتمنى أن نشعر به هي أكثر من هلامية ! و أن قدرتنا على تحديد ماهية ما نكنّه للآخر أصعب بمراحل من مجرد انتقاء لفظ ما، نطلقه على مشاعرنا ، فما بين الحب و الإعجاب و الرغبة و الانجذاب و الحاجة و الصداقة و الارتياح تضيع البوصلة و تفقد قلوبنا و علاقتنا وجهتها الصحيحة ، لنتيه في بحر لجي من الاندفاعات و المشاعر و الفعل و رد الفعل، و لا نصل لشطآن علاقة سوية إلا بعد أن نمتلك توصيفا محددا لماهيتها!

عزيزتي 2016

لشد ما جذبتني ايامك للقراءة و لكتابة عما يجول بخاطري ، لكن أتساءل حقا عن جدواهما!!
هل حقا ان زيادة الوعي مرض و اي مرض !! كما قال العزيز ديستويفسكي !!
و لكن من قال ان بضع صفحات قُرأت قد زادت من وعيي ؟
أيعقل أنني أتوهم مرض الوعي لاتسامى عمن حولي ؟ و أعيش بنفسية المثقف المضطهد الذي لا يجد من يفهمه و لا يدرك مغزى أفكاره ؟
أيعقل انني وصلت بانغماسي بهمومي الوجودية الى القطيعة مع ما يحدث حولي؟! أليست ذاتي هي محور كوني ؟! أليست الشقة بين الافتراضي و الواقعي قد اتسعت؟! ألا يجدر بي ان أمارس حياة يومية خالية من كل تعقيدات هذه التساؤلات التي تتوالد كل يوم و تنجب المزيد من الحيرة و الجنون؟!
لكن أيعقل انني ابالغ على كل حال ؟ و ان ما سبق هو ضرب من الوهم لا اكثر ! فها انا امضي بحياة تجد لها في الواقع مكانا و غاية تسعى اليها ... لكن مع ذلك ف ( اللايقين) مازال مترصدا بي .. يجذبني اليه و يجعل ردود افعالي اكثر ترددا .. فالبحث ما زال مستمرا .. بيد اني توصلت في رحلة ( اللايقينينة) تلك الى حقيقة يقينية واحدة لا غير و هي انني بحاجة لله .. الله هو اليقين الأوحد الذي أؤمن به.. و لي معه حكاية لابد ان اسردها لك في يوم ما..

عزيزتي 2016

كثرٌ هم من مروا على صفحة ذاكرتي : أصدقاء .. كتب .. معارف .. بعضهم ما زلت أحتفظ لهم بالود كل الود .. و بعض آخر ما زلت أحاذر الاقتراب منهم.. و آخرون ما زلت أتساءل عما حدث بيننا و كيف تنقلب جذوة المحبة و مستودع الأسرار إلى برودة المقابر و وحشتها؟! بيد أن الكبرياء و أصارحك للمرة الأولى ، أن الكبرياء و العناد وحدهما كانا كفيلين بقتل أي محاولة للتقارب من جديد .. و زادت مقبرة الصداقة قبرا آخر مجددا... 

عزيزتي 2016 

ما زلت أذكر مقولة زوربا "أكبر المجانين العقلاء،  المسافات .. حافظ على المسافات بين البشر "
لطالما كنت فاشلة في الحساب و الرياضيات و الفيزياء رغم عشقي الشديد للثانية.. طالما أخفقت في تحديد المسافة اللازمة بين التحفظ و الاندفاع .. بين الأقدام و الأحجام.. بين أحبب حببيك هونا ما و بين أبغض بغيضك هونا ما ... لعل في الأيام المتبقية منك أسجل في دورة تعلم المسافات.. لا تقلقي عزيزتي فلست ضحية لأحد و لا أحب لعب دور الضحية في يوم ما ... إن كانت المسالة تتعلق بالمسافة بين جلد الذات و تحمل تبعات اختياراتها فسأحرص على الوصول للضفة الاخرى ..

عزيزتي 2016 

لم آخذ أي قرارات مصيرية ، ولَم و لن أغيّر وجه العالم، و لن أبكي بدموع التماسيح على ما خاب ظني من أيامك ، لن أرقص فرحا لما كان من مسراتك .. سأحتسي معك فنجان شاي ثانٍ ، و أعانقك .. ثم نمضي سويا في طرقات أيامك .. بانتظار ولادة شقيقتك 2017 بعد ايّام ..
و بعدها فلتحل بروحك الطمأنينة و لتحرسك عين الله أنت و ما مضى من أيامي .. 
آمين.

28/12/2016




المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اللامنتمي - كولن ولسون

العمى - خوسيه ساراماجو

رواية شوق الدرويش - حمّور زيادة