الأبله - دوستوفيسكي (2)
اشكالية الدين و الأخلاق في رواية الأبله
لديستويفسكي ج/2
يعاود الأمير الإشارة إلى دور الكهنة في رسم معالم
المنظومة الاخلاقية . فجلّ هم الكاهن أن يلقي بصلواته، على المحكوم عليهم
بالإعدام، متجاهلا انفعالات نفسٍ تودع اخر لحظاتها في هذه الحياة ، يصف ديستوفسكي
هذا المشهد على لسان الأمير فيقول :" انقضت ثلاث ساعات او اربع في
الاستعدادات :الكاهن. ..الافطار الذي يشتمل على خمرة ولحم وقهوة ( أليس هذا
استهزاء؟! ومع ذلك يفعله هؤلاء لبساطة قلوبهم موقنين يقينا تاما انه رأفة إنسانية !)
كيف يمكن أن نطالب من على شفير الموت أن يفهم الصلوات
" لا أصدق أن يكون قادرًا في تلك الدقيقة على أن يشعر بعاطفة دينية "
وعندما طلب الامير من ايلائيدا أن ترسم لوحة الإعدام، عّبر أصدق تعبير عما يعتمل
في نفسه، فالدين والكاهن والصليب تبارك جميعها حفلة الموت بدعوة إحقاق الحق وإنقاذ
أخلاق البشرية ممن تعدى عليها بسلبه روحه وجسده.
"
أرسمي المقصلة، بحيث لا يرى الناظر على المستوى الاول، الا
تلك الدرجة الاخيرة ، وأنّ المجرم قد وقف فوقها، رأسه ووجهه أبيضان كالورق ،
والكاهن يحمل الصليب ، والرجل يضع شفتيه الزرقاوين عليه، وينظر، ويعي بكل شيء ،
الصليب والراس . ..هذه هي الصورة ، وجه الكاهن ووجه منفذ الإعدام ومرافقيه ....."
لنا أن نسأل إن كان الكاهن بما يمثله من سلطة روحية،
فِلمَ لم ْ يمنع ذاك القاتل من القتل؟ أين سلطة الدين كرادع أخلاقي ؟ ثم لماذا
يصبح الصليب بكل ما تحمله معانيه من رمزية تضحية المسيح بنفسه للتكفير عن ذنوب أهل
الارض ،ملازما لعقاب من كُفّرت عنهم خطاياهم بدمه الذي سال على الصليب؟ لماذا يصبح
رمز المحبة سيفا مسلطا على رؤوس العباد ويبارك مشهد الاعدام؟ لماذا إن كان عاجزا
عن كبح شرور الناس وتقويم سلوكهم يتحدث عن الجزاء والعقاب؟ أين الخلل؟
بدوره ليبدييف الذي يمثل أقصى حالات البراغماتية
الميكافلية و الفوضى فهو على حد تعبير الأمير " إنه يتصف بشيء من الفوضى...
إن له فكرا ماكرا "
بل إن ليبدييف يدرك حقيقة نفسه و يصف ذاته" قد أكون
سكيراً، وقد أكون زير نساء، وقد أكون لِصّا، وقد أكون إنسانا مسيئا في جميع
النواحي، غير أن هناك شيئاً لا يعرفه هذا الرجل الذي يحقرني الان"
الا إن تلك المثالب لم تمنعه من أن يصلي على روح
الكونتيسة ياري عشيقة الملك لويس الرابع عشر، قائلا: "اللهم هب راحة النفس
للخاطئة الكبيرة كونتيسة ياري ولجميع أولئك اللواتي يشبهنها" فهو يدرك "
لسوف يبتهج قلبها حتما في الحياة الآخرة ، أن تحس أنه قد وجد على هذه الارض خاطئ
مثلها"
بل ويرد على ابن اخته الذي عاب عليه صلواته تلك،-في عصرٍ
كان الدعاء للعصاة والمجرمين لا يقل ذنبا وضعة عن ذنوبهم - فيقول :" وأيّ
ضيرٍ يصيبك أنت ، أيها التافه ، إذا أنا خطر ببالي أن أدعو الله لتلك الخاطئة
الكبيرة أثناء صلواتي قبل الرقاد؟ "
فقد تماهت نفسه مع نفس الخاطئة، شعر بحاجتها مثله للدعاء
للرحمة.. للحب ، لأن يستوعبها قلب بشري، لا أن تلغى إنسانيتها وينظر بدونية
واشمئزاز لها ولذنوبها.
يتابع ليبدييف تعاطفه مع الكونتيسة، ففي وصفه لحالتها فوق
منصة الإعدام ،سبر عميق لدواخل نفس الخطاة، ينقل قولها : " لحظة أخرى يا سيدي
الجلاد، لحظة واحدة أخرى.. " ويعقب عليه: إذ لعل تلك اللحظة هي التي ستشفع
لها عند الله فيغفر لها"
يبدو جليا أن شخصية ليبدييف هي على النقيض تماما من شخصية
الكاهن؛ بحيث تشكل معادلا موضوعيا في القصة؛ ليبدييف العاصي المتعاطف مع قلوب
العصاة وضعفهم ، والكاهن رمز الكمال البشري المزدر للمذنبين الطارد لهم من دائرة
الرحمة!
ففي تغيير جذري في المواقف من الكونتيسة، بما يتماشى مع
مصلحة الكهنة والكنيسة السياسية ؛ فقد "تطوع كاردينال ، هو سفير البابا
ليلبسها جوربيها الحريريين ، كان يعد ذلك شرفا له " عند تنصيب الملك ولما
دارت الدائرة جعلوا منها عبرة امام النساء العاميات الباريسيات و جروها لسكين
المقصلة!
فأين هي الأسس الاخلاقية التي يستندون عليها؟!
هذه المعادلة تتكرر مرة اخرى، ففي القصة التي رواها
الامير لروجويين عن الملحد الذي التقى به في القطار ولم يجد أغزر منه علما وأحسن
منه خلقاً، وعن قصة قتل
أحد الفلاحين لصديقه ليسرق ساعته فيصفه وهو يرفع سكينه
قبل أن يغمدها في صدر صديقة فيقول : " ورسم إشارة الصليب رافعا عينيه الى
السماء، وتمتم يدعو الله بلهجة مرة: " اغفر لي يا رب، باسم يسوع المسيح !"
ميلودرامية الأحداث تشكل صدمة بثنائيتها الضدية، ويعبر
عنها وروجويين بقوله: "هذا ما يعجبني ! هذا أجمل من كل شيء ! الاول لا يؤمن
بالله البتة، والثاني يؤمن به إيمانا يبلغ من القوة أنه يذبح الناس وهو يتلو دعاءه
.. هذا أجمل من كل شيء حقا!"
الدين هنا لم يكن رادعا أخلاقيا، بل تم استحضاره للتخفيف
عن النفس ، وحمايتها من الشعور بتأنيب
الضمير، الصلوات التي رفعت للرب تضفي شعورا بمشروعية
العمل، فهي صك غفران يشترى به الجاني رضى النفس بمباركة الرب
!
ولا يتوقف الامر عند هذا الحد ، من تزلزل المنظومة
الدينية الاخلاقية، فهذا السكير يقسم للأمير بان صليبه من فضة ، وهو في حقيقة
الامر من قصدير صرف، فيشتري منه الامير ذاك الصليب ، ومقابل ثمنه " انطلق على
الفور يشرب بثمن صليبه خمرا"
مفارقة تنبئ عن انهيار اخلاقي، فلم يعد الدين هو الرادع
الاخلاقي الذي تقاس وفق معاييره النظم والعلاقات الاجتماعية ، مقايضة الصليب
بالخمر، تحمل من معاني استبدال القيم والمراجع الاخلاقية الدينية لتحل محلها
المرجعية الفردية للقيم الشيء الكثير.، لكن ليست الأمور بهذا السوء تماما، فما زال
هناك من يرى في الدين واحة غنّاء للنفس، فعندما سأل الأمير الشابة الفلاحة البسيطة
، " لماذا رسمت إشارة الصليب أيتها الشابة ؟ فأجابتني :"كفرحة الام التي
ترى أول ابتسامة في ثغر ابنها ، هي فرحة الرب حين يرى من علياء سمائه مذنبا يدعوه دعاء
صادقا من اعماق قلبه"
فهي تعبر عن روح الديانة المسيحية كما يستدرك الامير
معلقا، في إشارة منه لضرورة الفصل بين المؤسسة الدينية وكهنتها وبين روح الديانة ،
التي يصفها الامير :"ان جوهر العاطفة الدينية مستقل عن جميع البراهين ، وجميع
الأفعال السيئة ، وجميع الجرائم وجميع مذاهب الإلحاد ، ان في هذه العاطفة شيئا لا
يمكن ان تدركه ولا يمكن ان تناله ادلة الملحدين في يوم من الأيام ، و سيظل الامر
على هذا النحو أبد الدهر"
هذه التفرقة بين جوهر الدين ومؤسساته، يشير اليها الامير
مرة اخرى؛ حين اخرج الكنيسة الكاثوليكية من دائرة المسيحية، فهي في نظره استمرار
للإمبراطورية الرومانية الغربية، في سعيها الحثيث نحو السلطة السياسية الشاملة ،
لم تراع الجانب الروحاني بل انها كما يصفها الامير :"لقد عبثوا بأقدس عواطف
الشعب و أنقاها و أكثرها سذاجة و براءة ، وحماسة وحرارة. لقد باعوا كل شيء بالمال،
كل شيء!.. فكيف لا تكون هذه العقيدة نقيض المسيحية؟ و كيف لا تكون سبب الإلحاد ؟"
ويدعم نظرته تلك ،بالتدليل عن فشل الكنيسة الكاثوليكية في
السمو بالجانب الاخلاقي -وفق اعتقاده- فيقول :" إن الإلحاد ثمرة أكاذيبهم
وعجزهم الاخلاقي"
وهذا ما دفع اتباع الكنيسة الكاثوليكية الى نبذها والثورة
على تعاليمها في عصر الثورة الصناعية ، " أما هناك في أوروبا، فإن جماهير
كبيرة من الشعب قد بدأت تفقد الإيمان . كان عدم تدينها في الماضي ناشئا عن الجهل
والكذب . أما الان فهو ناشئ عن التعصب وعن كره الكنيسة والمسيحية" على حد
توصيف الامير .
الظمأ الروحي الذي لم تستطع الكنيسة ، ارواءه ،هو المحرك
لتلك الثورة و لبحثهم الحثيث عن عالم أسمى و أطهر، من العالم الكنسي " وإنما
يصبحون ملاحدة او يسوعيين بتأثير من ظمأ نفسي، بتأثير من حنين الى عالم أرفع و
أسمى، الى أرض ثابتة وطيدة، الى وطن يحل محل الوطن الذي كفوا عن الإيمان به...من
يجحد وطنه يجحد إلهه أيضا"
وهذه الفلسفة التي تجعل من الدين منبعا للأخلاق، تتفق مع
وجهة نظر كيللر في حديثه مع الامير " فاعترف بانه امرؤ لم يبق له ذرة من
خُلُق " وما ذلك الا بسبب زوال اعتقاده بالله"
ولكن حتى الإيمان المطلق بالله، لا يعني مثالية اخلاق
معتنقيه، فالمثالية حلم لم يتحقق ، يقول كيللر :" نفسي نبيلة ، نبيلة جدا
وذات شهامة! لكن المسألة يا أمير ان هذا النبل لا يوجد الا وجودا مثاليا، فوجوده
وجود بالقوة لا بالفعل ان صح التعبير! انه لا يتحقق في الواقع أبدا. ولِمَ هذا؟
ذلك ما لا افهمه. "
هذا الصراع الدائم في النفس البشرية، بين رغباتها و مرجعتها
الأخلاقية والدينية ، يؤدي بها في احيان كثيرة الى ( الأفكار المزدوجة)، كما يعبر
عنها كيللير بأدق العبارات :" ان الاقوال والافعال، ان الاكاذيب والحقائق ،
تختلط عندي بصدق كامل ، ففي الحقائق والافعال إنما يتجلى ندمي وتتجلى توبتي ،
صدقني او لا تصدقني .. يميناً ان الامر كذلك . اما الاقوال والاكاذيب ، فإنها
تأتيني من غمرة جهنمية( لا تبرح ذهني) بها احس اني مدفوع الى خداع الناس
والاستفادة حتى من دموع الندامة والتوبة!
"
يتبع (الأخلاق والثورة الصناعية)
