الأبله - دوستوفيسكي (1)

اشكالية الدين و الأخلاق في رواية الابله
لديستويفسكي ج/1
لا يمكن للقارئ المتذوق للأدب ،إلا أن يعايش تلك الفوضى
الخلاقة التي أبدع ديستوفسكي سبكها في روايته أبله، لا يمكنك أن تخرج بعد
قراءتها بالحالة النفسية ذاتها بعد الفراغ منها.
اشكاليات عدة يبثها ديستوفسكي بين طيات روايته، وعلى ألسنة
شخوص أتقنوا جميعا لعبة الجنون !
حكايات تتناسل حكايات، وقصة تقود لأخرى ، تشعبات قد تؤدي
بالبعض الى مفترق طرق، في رحلته القرائية لهذه الرواية، فيطلقها طلاقا بائنا لا
رجعة فيه، او قد يعقد زواجا كاثوليكيا بينه وبين شخوصها وقضاياها فيهيم عشقا
وتفكرا، وتسهّده ليالٍ بطولها لا رفيق له فيها الا الأرق ! ارق فلسفي وجودي.
العتبة العنوانية للرواية (الأبله) تعبر عن موقف معياري
انتقاصي مسبق من بطل الرواية الأمير ميشيكن، ولكن تتجلى المفارقة في نقاشات الأمير
التي قد تتصف بكل شيء إلا البلاهة!
إذا للقارئ أن يسأل هل البلاهة التي أسبغها ديستوفسكي على
الأمير صفة طارئة محددة بظرف مرضي (الصرع) عانى منه ومن ثم كتب له الشفاء، ثم
لينتكص مرة اخرى ويعاوده المرض بعد حادثة موت ناستاسيا ؟
هل البلاهة هنا هي بلاهة اجتماعية، تتعلق بإعاقة سلوكية
في التواصل مع المجتمع؟ وخاصة مع الطبقة المخملية منه أو كما يروق للبعض تسميته
بالمجتمع الراقي ؟
أم قد تكون بلاهة فكرية تتجلى في نظرة مغرقة في
افلاطونيتها، وطيبة قلب تجعله كما قال له هيبوليت: (وأنك لا تستطيع أن تستغني عن
إظهار كرمك والتدليل على سماحتك)؟ وتلك النفس التي وصفها بأنها تجسيد حي لروح (المذلة
المسيحية) القائمة على التغاضي عن اخطاء الآخرين والتجاوز عن إساءتهم وفق شريعة (من
ضربك على خَدَّك الأيمن فأدر له خَدَّك الأيسر)، فهو كما يقول له ليبدييف انك لا
تسطيع ان تكره حتى ولو أردت ذلك.
أم أن بلاهته محصلة من كذب انتهى به كما يصفها اوجين
بافلوفتش: (بأن فيك غرابة تميزك عن الناس كافة.. إلى ذلك يعوزك حس الاعتدال عوزا
خارقا.. و ينبغي أن تذكر أخيراً السيل المتدفق من المعاني المجردة المكتسبة التي يمتلئ
بها دماغك والتي حسبتها بإخلاصك وبراءتك آراء أصيلة حقيقية صادقة طبيعية مباشرة!)
ويصفه فيما بعد بان له قلبا مسيحيا .
قد يكون كما وصفه توتسكي عندما دافع الامير عن ناستاسيا
:(هو أبله، نعم، لكنه يعرف ان لا شيء يساوي المديح. يعرف هذا بالفطرة) ، اما تكون
بلاهته نتيجة او سببا في ان واحد لضياعه كما يقول الجنرال:(رجل مثقف لكنه ضائع)
بينما يصفه كللير: (ان لك براءة وسذاجة لم يعرف العصر
الذهبي مثلها، ثم انك بنفاذك السيكولوجي تخترق المرء اختراق السهم)، بينما تصارحه
إليزابيت بروكوفيفنا: (جميع الناس يعدّونك غبيا ويغشونك!) ، وهو على كل حال لا
ينكر هذه الحقيقة عن نفسه وعمن حوله:(أعرف انه يغشني أحيانا، وهو لا يجهل أنني أعرف)،كان
الامير دائم التقريع لنفسه يأخذها مأخذ الرقيب
في المقالة التي نشرها ابن بافلستثيف (برودفسكي) يقول
:(لم يصبح الابله رجلا ذكيا بطبيعة الحال، ولكن يُزعم بعضهم انه أخذ يشبه الانسان
بعض الشبه)
ومع ذلك (أحس بندامة أليمة تقبض قلبه: انه لا يكتفي الان
بمؤاخذة نفسه على انه (أهان) برودفسكي اذ وصفه على رؤوس الأشهاد بالمرض الذي ذهب
هو إلى سويسرا لمعالجته، بل بزيد على ذلك فيلوم نفسه على أنه عامله معاملة فظة
خالية من اللطف والذوق إذ عرض عليه العشرة آلاف روبل ..صدقة أمام جميع الناس .
قال الأمير يخاطب نفسه:(كان ينبغي لي أن انتظر فأقدمها
إليه خلوة بيني وبينه، هذه خرافة لا سبيل الى إصلاح ما أفسدته! نعم، إنني أبله،
أبله حقا)
مهما تعددت آراء شخصيات الرواية حول ماهية وسبب بلاهة
الأمير، إلا أنها جميعا اتفقت على أنه (أبله)
حالة البلاهة تلك لم تكن عائقا، أمام طرح اشكاليات فلسفية
، شغلت عقول فلاسفة الإنسانية منذ الخليقة
.
إشكالية الدين والأخلاق، هي إحدى تلك القضايا، التي
تناولها الأبله ورفقاؤه في نقاشاتهم، فمن المسؤول عن السمو الاخلاقي ؟ هل المنظومة
الدينية ومؤسساتها الكنسية ورجال الدين هم سدنة الأخلاق؟
ولكن ماذا عن ماريا الخاطئة التي نبذها الكاهن ؟ وجعل
خطيئتها سببا في موت أمها العجوز؟( قال وهو يومئ الى ماريا: "هذه هي التي
كانت سبب وفاة تلك المرأة المحترمة( وهذا خطأ، فالعجوز مريضة منذ سنتين) ها هي ذي
أمامكم لا تجرؤ أن ترفع عينيها لان الله قد دمغها الى الأبد ...عبرة لجميع أولئك
الذين يفقدون الفضيلة!" ص:١٣١
الكاهن في تصوره الطوباوي عن نقاء الانسان وطهره ، جعل من
الدين مقصلة، يقطع بها رقاب المحبة والتعاطف مع الخطائين، يقود بازدرائه الذنب الى
ازدراء المذنب ، لتتحد كينونة الذنب والمذنب معا، متجاهلا كل الاعتبارات والسياقات
التي رافقت الوقوع بالخطيئة ولحظة الضعف البشري.
ليكون الطرد من دائرة الطهر عقابا ولعنة أبدية لا تكفر
عنها توبة ولا يجبها احسان!
الكاهن بما يمتلكه من سلطة روحية على رعايا كنيسته، أرسى
قواعد التعامل مع المذنبين : النبذ هو جحيم العصاة في الدنيا، ليقلب وظيفة الدين
الذي كان في أصله رسالة تسامح ومحبة، ليصبح سوطا يجلد العصاة!
يتبع .....
الامير ميشكين( الابله) في هذه الرواية، قد يكون المعادل الموضوعي لدور المسيح..وان كان ديستويفسكي قد أشار الى لوحة هولباين المسيح المصلوب وهو مسجى جثة لا امل يرجى من بعثها وإنقاذها للعالم بقيامته وهذا ما هز ركنا في المعتقد المسيحي .. فان عودة الصرع للأمير وموت ناستاسيا يوازي المعاني النفسية والفلسفية التي حملتها لوحة هولباين
لوحة هولباين التي كادت تصيب ديستويفسكي بنوبة صرع حين تأملها في بازل ، وقال عنها في حوار الامير ميشيكن مع روحويبن : ان لوحة كهذا قد تفقد المرء ايمانه

